عندما تبدأ سطور الحاضر بتدوين احرف رواية قصة تاريخ حياة امة فانه سيتوقف حتما - وفقا لما تعلمناه من دروس التاريخ - امام منجزات هذه الامة خلال الحقب المتعاقبة من تاريخها، وماذا قدمت من انجاز يخدم البشرية، ويخفف من معاناتها، وفي نفس الوقت ما وضعته من لبنات لخطى المستقبل.
وامتنا العربية قدمت بلا شك شعلة النور والهداية للعالم اجمع خلال حقب متتابعة من تاريخها مرورا بنور الهداية الذي شع من هذه الارض المباركة مرورا بتاريخ الخلافة الراشدة، فالعهد الاموي والعباسي، وانتهاء بتجربة الاندلس التي سجلت نهايتها بداية حقبة تعيسة زادتها تجربة الاستعمار ـ وما خلفته من آثار ـ بؤسا وتعاسة. اذا فقد قدمت هذه الامة ومن خلال تلك الحقب المضيئة في تاريخها اسهامات كانت بلا شك ترقى لتطلعات البشرية من امة اراد الله لها ان تكون (خير امة أخرجت للناس) من الادب والثقافة والعلم والفنون التي كانت رفيعة المستوى بكل المعايير الموضوعية والاخلاقية مشكلة في ذلك مؤشرا على سلامة ذوقها العام، واخلاقيتها الرفيعة ولكن.. واه ثم اه من اداة الاستدراك هذه.
فالفن والادب والثقافة العربية في زمن عرب القرن الواحد والعشرين قد اصبحت لشديد الاسف وبفعل من جملة متغيرات يأتي على اول اولوياتها هذه الفضائيات العربية التي (اكثر من الهم على القلب) مركزة جل اهتمامها - الا من رحم ربي - على هذا التنافس المثير فيما بينها على (تغييب الوعي الوطني والديني) لدى فئة الشباب الذين هم امل مستقبل هذه الامة.
مجموعة من البرامج الترفيهية التافهة، والخالية من اي مضمون اعلامي او ترفيهي او توجيهي التي لا ترقى بأي حال من الاحوال الإ الى الوضع (التعيس جدا) الذي تعيشه الامة، وجملة التحديات التي تعصف بها من كل حدب وصوب والضحية كما سبق وان اسلفت هم شباب الامة وزاد مستقبلها.
فأنت لا تكاد تنتقل من قناة الى اخرى الا وتجد برنامجا غنائيا غبيا، او حوارا مع فنانة نصف مشهورة يصيبك بالقرف والكآبة من شدة سطحيته وضعف موضوعه، او اغاني من نوع (الفيديو كليب) تتراقص فيها الحسناوات وهن شبه عاريات، وبأسلوب يتسابق فيه مخرجو تلك التفاهات في تقديمها بأسلوب يغازل بشكل فاضح الغرائز البشرية اكثر ما يقدم فنا راقيا والنتيجة دوما هي زيادة غياب الوعي في امة غائبة في الاصل عن الوعي وكأني بلسان حال اولئك المشرفين على تلك الفضائيات يقول (فلنزد الطين بلة) ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : ترى من المستفيد الاول من كم التفاهات التي تقدمها هذه الفضائيات؟
لانريد في سبيل محاولتنا اعطاء اجابة سريعة ومبتسرة للسؤال اعلاه ان نقفز الى (نظرية المؤامرة) - كما هو حالنا دوما وأبدا - ونرمي بالتالي باللائمة على اسرائيل باعتبارها الجهة التي تحارب دوما على جبهة الاستيلاء على وعي الشباب العربي - الاسلامي محاولة افراغ عقله من كل شعور واحساس يعزز من انتمائه لهذه الامة بمعتقدها وعاداتها وتقاليدها وموروثها الحضاري، وبالتالي تغييبه عن واقعه ومشاكل امته في وقت تحاول تمارس فيه كل طرق واساليب التصفية الجسدية لكل من يحاول ان يقول لها (لا) ، بل يجب ان تتسع احداق عيوننا لنرى تلك الاطراف الاخرى.. وبالذات العربية منها للاسف - والتي تتنافس للقيام بنفس المهمة بطرق رخيصة، والهدف (المرئي) على الاقل هو التنافس في كسب اكبر عدد ممكن من المشاهدين خدمة للهدف المالي والمتمثل في زيادة (الاعلانات) ولتذهب هذه الامة واجيالها وتاريخها للجحيم.
لقد غابت هذه الفضائيات عن كل مشاكل الامة الداخلية من فقر، وبطالة، وصحة، وتعليم، وتنمية.. الخ ، ومشاكلها الخارجية من احتلال غاشم لاراضيها لتقدم لنا (زبدا يذهب جفاء) ولا ادل على ذلك من برنامج (سوبر ستار العرب) الذي رعته شركة ميوزيك ماستر ممثل شركة وارنر في لبنان، وتليفزيون المستقبل الذي لا ادعي لنفسي شرف (مشاهدته) وبالتالي فكل ما سوف اورده عنه هو من خلال التغطية الصحفية له في بعض الجرائد والمجلات العربية، اضافة الى بعض احاديث الناس الذي اصبح ذلك البرنامج وعلى امتداد (ستة شهور بالتمام والكمال) شغلهم الشاغل.
تقوم فكرة البرنامج (المشار اليه اعلاه) على التنافس بين عدد كبير من هواة الغناء للحصول على لقب افضل مطرب عربي او (سوبر ستار العرب) وبالتالي فالفائز - او الفائزة - تنتظره مجموعة فرص ليقدم موهبته في الغناء للعالم العربي تقدمها له الشركة الراعية للبرنامج.
في الاسبوع القادم ان شاء الله لنا لقاء نستكمل فيه حديثنا عن هذا البرنامج، وما قدمه ليس للعرب وانما لاعدائه من خدمات بلا ثمن.
فالى ذلك الحين، دمتم وعلى الحب نلتقي.