أنت تستطيع, بعفوية نهر, ان تضحك على شاعر يقف تحت المطر امام نافذة عالية وهو يقرأ ما تفتقت عنه احباطاته وبؤسه من شعر عربي فصيح, ليناجي الضوء المتسرب من النافذة.
وتستطيع ان تضحك على امرىء القيس وهو (يطلب ملكا او يموت فيعذرا) وتستطيع ان تضحك ضحكا كالبكاء على ذلك الفيلسوف الذي يرى كتبه تحرق في الساحة امام عينيه, ويعلم انه سيقاد بعد لحظات الى السجن او الاعدام.. ومع ذلك يصر على ان يعيد مقولة مضطهد مثله: (ولكنها تدور).
تستطيع كذلك ان تضحك على من يخالف رأيك الذي أخذته عن طريق التقليد, وتعتبره ضالا, وانه سيدع الى جهنم دعا في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا.
وتستطيع ان تضحك (حزنا) على الربيع الذي يجهد نفسه في صنع ازهار مصيرها الى الذبول, تستطيع كل هذا ولكنك لا تستطيع ان تقوم بشيء واحد.. هو الضحك على نفسك.
أليس هذا صحيحا؟
ان علم النفس يقول: كلا انه ليس صحيحا على الاطلاق, فالانسان يضحك احيانا على نفسه اكثر من ضحكه على الآخرين.
انه يضحك على نفسه حين يلبس آراءه قوة الحقيقة في حين انه لم يصل اليها من تلقاء تفكيره وبحثه وجدله مع الآراء الاخرى.. لقد تلقفها مقلدا, فمن او ما ادراه انها حقيقة وان غيرها ضلال مبين؟
وهو يضحك على نفسه حين يعتقد بأن اللغة لا تفضح قائلها, فيروح يتكلم عن الفضيلة وهو بعيد عنها, ويدبج في الوطن اروع الخطب البتراء وهو لا يعرف من معنى الوطن الا ما يدخل في جيبه.
ويمتد السؤال:
هل تستطيع؟