اخيرا, وهبته نيران الحرب ما كان ينشده.. خلدته كما كان ينبغي له ان يخلد!
طارق ايوب.. كان ينسج احلاما مترابطة من ملاحظاته اليومية.. ويطوعها على سطح الواقع, حتى تعبد له الطريق صوب الحقيقة.. كان يتوجب علينا ان نلتفت مبكرا الى صرامته في احترام اوليات المهنة, وغبطته في كل عثرة يتجاوزها بمحض عزيمته.. كي نتهيأ لفاجعة خسارته الى الابد!
كنت اتفهم بعض دوافع شروده المروع, عن ذلك المسار الذي يختزل الذات الى اداة حياة مبتذلة, تتروى في المنعطفات, قبل ان تتردى الى شفير المجازفة.. كان طارق ـ بمناعته ازاء البلايا التي حلت به فصولا في مشواره المهني والحياتي ـ يؤسس دفاعاته الخاصة, لحماية ذاته الاخرى, الصلبة حتى في مواجهة نفسه.. كان طارق ايوب يروم الى فضيلة من نوع آخر, فضيلة هامشية, لاتستعير حيثياتها من الكليشيهات الصماء او الشعارات الجوفاء.. لقد كان مدركا لجوهر المجد الذي كانت قساوات الحياة تتواطأ على طمسه وتشويهه, مجد (الشهادة) في سبيل الواجب المقدس.. عندما ادركني نبأ رحيله, استعدت على الفور مقاطع كاملة من تلك المقابلة التي اجريتها معه قبل عامين لبرنامج (مقص الرقيب) على قناة ابو ظبي حيث كان قد اطلق سراحه بعد توقيفه على خلفية احدى التغطيات الصحفية الجماهيرية.
يومها تساءل طارق, مستخفا بالوعود التي اخفقت الحكومة في الوفاء بها: هل ضرب الصحفيون حرية صحفية؟ هل مصادرة كاميراتهم حرية صحفية؟ هل التهديد المبطن والمباشر حرية صحفية؟
وكان اللافت للنظر فيما قال: ان سفارة الولايات المتحدة في عمان توسطت لدى الحكومة حينئذ لاطلاق سراحه, بوصفه كان يراسل وكالة (ايه بي تي ان) الامريكية للانباء.. فهل كان يعلم ان الولايات المتحدة كانت تخلصه من التوقيف في احدى الدول كي تنصب له كمينا في العراق؟ هل كان يدرك ان معركة توقيفه بتهمة تغطية مظاهرة, ستكون اهون معاركه؟.. وان خصائصه الاستثنائية تلك ـ هي نفسها ـ ستكون مؤهلاته للشهادة؟
سنظل تحت وطاة الم فقدان طارق ايوب.. حتى نتحرر الى الابد من ذل الاستعمار, وهو ان النفس وضيق الحيلة.. وسنظل ننزف دموعا ودما, من جرح نافذ يشق ظهورنا, ويحفر فيها.. حتى ننحني ونقبل كعوب الاقدام..
اننا جميعا نتهاوى, الاطارق, فقد ارتقى الى السماء..
مذيع بقناة ابو ظبي
عن جريدة الرأي الاردنية