كيف يمكن للحكاية ان تصبح شعبية ومتداولة من جيل إلى آخر، من اين تكتسب الحكاية سطوتها وتأثيرها النافذ، وما الذي يمنحها الاستقرار في الوعي الجمعي لامة ما، لقرون عديدة؟ وهل ثمة خطوط تماس بين الديني والمحكي والميثولوجي تذوب الفواصل - او تكاد - بينهم، وتجعل البحث عن مرجعية اشبه بحديث البيضة والدجاجة، ايهما اسبق؟
هذه الحكايات الشعبية تحيلنا من جديد إلى الاسئلة نفسها، وتثبت - من جديد أيضاً - استحالة الاجابة.
فالخيال الذي صاغ قصة جميل وجميلة لم ينفلت من روعة قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وجميلة هنا هي الفتاة الاكثر جمالاً بين فتيات مدينتها مما يدفع بعضهن إلى الكيد لها واستئذان الام في اصطحابها للهو، وحين ينفردن بها يمارسن غواية الشر ويظهرن حقيقة مشاعرهن تجاهها، وهو امر لا تنتبه اليه جميلة الا بعد ان تفقد حليها التي تلقيها في البئر برغبتها، استجابة لمقولات رفيقاتها الشريرات اللائي تركنها فريسة لغول مرعب يرغمها على الاقامة معه إلى ان يخلصها فارسها الجميل جميل من براثنه.
هكذا يبدو العظم الاساسي للقصة شبيهاً بقصة سيدنا يوسف وبقيتها من خيال يداعب ميل المغامرة والتحدي والانتصار للخير والطيبة عند الناس.
وفي بلح الشاطر حسن يجذبنا - كالعادة في مثل تلك الحكايات - الصراع الابدي بين الخير والشر، والاول يمثله بالطبع الشاطر حسن بكل براءته وذكائه وشجاعته، ولانه كذلك. فان اباه يمنحه البساط السحري الذي يمكنه من اختصار المسافات والتحليق في الافاق والنفاذ حتى إلى غرفة نوم الاميرة - التي بدت هنا شريرة تحيل خُطّابها إلى تماثيل حجرية - كما يدله رجل طيب على نخلتين تحيلان حياته إلى نعيم وتمكنانه من الانتصار على الاميرة الشريرة واعادة مساخيطها إلى صورهم الانسانية التي كانوا عليها، وما ان فعل حتى ركب بساطه وانطلق بحثاً عن مغامرة جديدة. وتطالعنا في هدايا فيروز التيمات المستقرة نفسها في الحكي الشعبي حيث الصراع بين الطيبة والشر، وعطايا القدر للطيبين الذين يمثلهم هنا شعبان بائع الملح وابنته الجميلة فيروز التي لطيبتها وحسن خلقها تتزوج الامير الذي يمنح اباها حماراً يتساقط من فمه الذهب ومطحنة تعد له في غمضة عين ما تشتهي نفسه من الطعام، وحين يسرقهما احد الاشرار فان العصا السحرية تعيدهما اليه بعد ان تؤدب الشرير وتلقنه درساً لا ينساه. ويدور الصراع في البئر العجيبة بين اختين، احداهما مطيعة نشيطة مبتسمة، والاخرى كئيبة كسولة ناقمة، وجزاء رقتها ووداعتها فان الاقدار تسوق إلى الاولى سيدة عجوزاً تزيد حياتها صفاءً وجمالها نصاعة وألقاً، وهو عكس المصير الذي تلقاه اختها العبوسة الكسولة. وأما في عصفور وجرادة و الامير الجبان فنحن امام تيمتين مهمتين يصوغهما الحكي الشعبي ببراعة وخفة، اذ يؤكد في الاولى على كذب المنجمين حتى لو صادفهم حظ سعيد، كذاك الذي احال عصفوراً من اسكافي بسيط إلى منجّم السلطانة إلى ان افتضح امره، وفي الثانية فان الامير الذي هرب دوماً من الحروب ومواجهة الاعداء، اكتشف لذة الشجاعة وقدراته المخبوءة على القتال والمقاومة حين اجبر على مواجهة الاعداء بفضل شجاعة زوجته الاميرة.
الحكي هنا كما نرى يستقى من مصادر عديدة وثقافات امم مختلفة، وفي كل الاحوال فانه يتبنى القيم الجميلة نفسها، وينتصر للحق والخير والجمال، ولكن أحداً من هؤلاء الطيبين لا يحصد جزاء عمله فوراً ودون تضحيات، وفي كل القصص تقريباً يلعب القدر بخوارقه إلى جانب الطيبين ليسحق الظلم ويضبط نواميس الكون.
@@ الكتاب: اجمل الحكايات الشعبية. اعداد: يعقوب الشاروني. رسوم: حلمي التوني الناشر: مكتبة الشروق - القاهرة - 2002