تدرس صنعاء منذ أيام مشروع واشنطن للإصلاحات في الشرق الأوسط الذي تسلمته من الإدارة الأمريكية أخيرا وسط حالة قلق من تحركات أمريكية مريبة، في المسرح السياسي اليمني يعتقد على نطاق واسع أنها تستهدف اضعاف الموقف الرسمي من المشروع.
يأتي ذلك بعد أن أبدت واشنطن النية لإشراك أطراف المعادلة السياسية في المعارضة في مناقشة المبادرة، في مسعى اعتبرته دوائر رفيعة، محاولة لأحداث خلخلة في المعادلة السياسية اليمنية من جهة و للتأثير على موقف هذا البلد الذي تعتقد واشنطن أنه لاعب مهم في مسرح التغيير القادم في المنطقة.
وثمة اعتقاد لدى المحللين السياسيين بأن الخارطة السياسية اليمنية قد تشهد في الأيام القادمة تغييرا ربما يصب في مصلحة تحريك الحياة السياسية في اليمن، لكنه لن يكون بعيدا عن المصالح التي تريدها الإدارة الأمريكية في اليمن والمنطقة عموما. ورغم التكتم الرسمي إزاء المبادرة الأمريكية المسلمة لليمن إلا أن صنعاء بدت مؤخرا وكأنها بين قطبي رحى. الأول تمثله ضغوطات واشنطن للمضي بمبادرة الإصلاحات فيما تشكل الضغوطات التي تمارسها الأطراف السياسية في المعارضة بشأن الإصلاحات القطب الثاني.
وقد برز التفاعل مع المشاريع الأمريكية للإصلاحات إلى الواجهة على شكل خلافات بين أطراف اللعبة السياسية وبخاصة بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم الذي يتزعمه الرئيس صالح وقطبي المعارضة الرئيسيين حزب التجمع اليمني للإصلاح أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد والحزب الاشتراكي اليمني.
ولم تكن الاتهامات والتهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال وقيادات أخرى في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، إلا مؤشرا على تصاعد الخلاف الحاصل بين الحكم والمعارضة تجاه مشاريع واشنطن في الإصلاحات.
وبدت الحكومة اليمنية التي بذلت في السابق جهودا على المستويين الدولي والقومي، لتشكيل جبهة عربية لمواجهة الضغوطات الأمريكية في الإصلاحات، بدت مرتبكة أكثر من أي وقت مضى خاصة بعد ان وجدت أن هناك نوايا امريكية جادة لاستخدام أحزاب المعارضة كورقة ضغط، لدعم وتأييد مبادرتها للإصلاحات.
وكان اللافت أن المعارضة التي كانت ترفض تماما التدخلات الأمريكية في المنطقة بدت متحفظة من المبادرة هذه المرة، بل ان البعض ذهب للقول ان الإصلاحات التي تأتي من الخارج ربما تكون صيغة أفضل من حالة الجمود الحاصلة.
على صعيد آخر بدا أن هناك نذر أزمة غير معلنة بين صنعاء وواشنطن، على خلفية ما أعتبره بعض المراقبين محاولات أمريكية للزج باليمن في أتون أزمة سياسية
ويقول المحللون ان الإدارة الأمريكية التي ترى، اليمن لاعبا مهما في معادلة الحرب على الإرهاب تعتقد أن هذا البلد يعتبر محورا مهما وفي خارطة الاستحقاقات التي تطالب بها تحت مظلة الإصلاحات.
ويعتقد مسؤولون أن سيناريو الضغوطات التي مارستها واشنطن في غير بلد، ربما كانت ستنفذ في اليمن باعتباره البلد الوحيد في المنطقة المؤهل لتجربة من هذا النوع خصوصا وأنه لا يزال يعاني من آثار الحرب الأهلية التي اندلعت صيف عام 94، وأدت إلى نزوح الآلاف من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني إلى الخارج.
ورغم أن الحكومة اليمنية استوعبت الدرس باكرا، وتبنت مشاريع مصالحة مع القيادات السياسية المعارضة في الخارج، الذين عاد الآلاف منهم خلال الأشهر الماضية بمن فيهم القيادات التي صدرت بحقها إحكام قضائية، إلا أن الإدارة الأمريكية لا تزال تراهن على الشقوق التي تتسم بها حلبة الصراع السياسي بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الإسلامية والقومية واليسار المنضوية في إطار تكتل اللقاء المشترك.
بدء لعبة المناورات
ووفقا لمقاييس عديدة فقد اعتبر إعلان المعارضة استغلال المبادرات الدولية للإصلاحات للخروج من حالة الجمود الحاصلة، وتأكيدها بانها بانتظار أن تتسلم المشروع الأمريكي رسميا لمناقشته كما الحال لدى الحكومة، إعلانا بتغير شروط وأدوات اللعبة بين المعارضة والسلطة. الحكومة اليمنية التي من جهة، وجدت نفسها على حد تعبير أحد المراقبين في مأزق كبير سببه اتجاه الإدارة الأمريكية نحو اشراك الأطراف السياسية في المعارضة لمناقشة مشروع الإصلاحات وهو ما كان له وقع المفاجأة بالنسبة للحكومة التي اعتبرته رسالة ذات مغزى تسعى فيها واشنطن إلى إضعاف الموقف الرسمي المناهض لمبادرتها من جهة، وجر الأحزاب السياسية في المعارضة إلى حلبة صراع مع الحكم بدعوى الإصلاحات وربما لعب دور معين في هذا المشروع من جهة ثانية. وإزاء ذلك بدت السلطات اليمنية وكأنها تعيد ترتيب أوراق اللعبة باعلانها المفاجئ أن اليمن لا يمكن أن ترفض المشروع الأمريكي للإصلاحات كليا، ودعوتها لإجراء حوار حول الرؤية العربية والأمريكية للإصلاحات المفترضة لليمن والمنطقة.
وبالنسبة لأحزاب المعارضة التي خاضت صراعا مريرا مع حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، ومن ضمنها الحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني فقد بدت وكأنها تنفست الصعداء، أمام سياسة الباب المغلق التي انتهجتها حكومة المؤتمر الشعبي العام الحاكم على مدى سنوات. ورغم ذلك لم يخل موقفها من مناورات إذ أعلنت أنها بانتظار أن تتسلم المبادرة الأمريكية رسميا لمناقشتها وابداء الرأي حولها، وهو الإعلان الذي اعتبره مراقبون، نوعا من المكايدة إزاء الاستحقاقات السياسية التي تطالب بها منذ سنوات في الإصلاحات السياسية والدستورية.
وللمرة الأولى سجلت الأطراف السياسية في المعارضة بمختلف ألوانها واتجاهاتها موقفا موحدا من قضية الإصلاحات إذ بدت جميعها متفقة على عقد مؤتمر وطني للإصلاحات ودراسة المشاريع الإصلاحية المتداولة والاستفادة من أجواء التفاعل التي إثارتها مشاريع الإصلاحات في المنطقة العربية والإسلامية كونها تمثل فرصة استثنائية أمام القوى السياسية اليمنية في الحكم والمعارضة لتحديد نوع وحجم الإصلاحات المطلوب انجازها في اليمن.
وتذهب رؤية الأحزاب إلى أهمية إجراء حوار وطني ديمقراطي من شأنه تحقيق المصالحة الوطنية والاتفاق على برنامج وطني للإصلاحات السياسية والدستورية وتعزيز مبدأ التداول السلمي للسلطة، وإصلاح النظام الانتخابي.
كما تدعم المعارضة فكرة تشكيل ادارة نزيهة للانتخابات، وتطوير الآليات الوطنية لحماية حقوق الإنسان، وتوسيع مجالات الممارسة لحرية الرأي والتعبير، والمزيد من الشفافية في أداء وعمل مؤسسات السلطة وأجهزتها، والتعاطي مع ظاهرة الإرهاب في إطار رؤية شاملة تتناول العوامل السياسية والاقتصادية المتعلقة بالظاهرة والأسباب المغذية لها.
وعلى ما يبدو فان أحزاب المعارضة تراهن بشدة على قطع شوط متقدم في برامجها للإصلاحات السياسية والدستورية في البلاد انطلاقا من أن الخيار الأفضل أمام حزب الحكومة هو تشكيل جبهة وطنية موحدة في رؤيتها تجاه الإصلاحات المطلوبة لليمن. وتؤكد المعارضة أن عقد مؤتمر وطني لمناقشة الإصلاحات المطلوبة لليمن من شأنه إن يرسخ النهج الديمقراطي ويعزز فاعلية الأحزاب ودور النقابات ويحد من استحواذ حزب الحكم على كل إمكانات الدولة كما سيعمل على إيجاد برلمان قوي وأحزاب فاعلة ومنظمة، وتوسيع مشاركة المرأة سياسيا واقتصاديا.