وفي هذا النوع من التنافس البشري، تتحوّل بعض تلك المنافسات التي كان من المفترض أن تبدأ شريفة، إلى غير ذلك، وتستخدم فيها أنواع مختلفة من الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، ويتحوَّل فيها الأصدقاء وزملاء العمل إلى أعداء وخصوم.
وفي خضم هذا التنافس غير المحمود، تظهر لنا جوانب إيجابية لم نكن لنعلمها من قبل، جوانب يهديها لنا المنافسون دون أن يقصدوا، فعلى سبيل المثال، نتعرَّف من خلالها على جوانب من شخصيتنا لم نكن لنعرفها قبل أن ندخل في منافسة مع أقراننا أو زملائنا، كأن يعرف المرء منا أنه ينبغي عليه ألا يتخلى عن الإنصاف وقول الحق، حتى عند مواجهة ألد الخصوم حدة، وأكثرهم جورًا، فلا يدَع للشيطان عليه مدخلًا، لينال من خصمه بحجة مقابلة الإساءة بمثلها، بل يتحلى بخلق المؤمن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون).
والأمر الآخر أننا نتعرّف من خلالها على حدود صبرنا وتحمّلنا، فهناك نوع من المنافسين قد يفقد الحليم صبره، ويدفع المرء إلى ارتكاب أفعال ليست من أخلاقه دون أن يشعر بذلك.
ومن محاسن المنافسة وإيجابياتها، أنها تجعلنا نتعرّف على معادن المنافسين، فيظهر لك أن أحدهم قيم كمعدن الذهب، لا تغيّره قوة المنافسة، ولا يصدأ مع طول فترتها وحِدّتها، ومنافس آخر بخس الثمن كمعدن الحديد قيمته متواضعة، ومعرَّض للصدأ مع أتفه العوامل، وقابل للتغير والتبدل كيفما شاء، ويدور مع مصلحته كلما دارت.
وخلاصة القول إن للمنافسة جوانب مضيئة، كما أن لها على الجانب الآخر جوانب مُعتمة، والحِكمة، كما يقال، ضالَّة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها.
قال الشافعي:
جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ.. وَإنْ كانت تُغصّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لهَا حمْدًا وَلَكِن.. عرفتُ بها عدوّي من صديقي