- أبدأ مقالي اليوم باللزمة الدارجة عند بدء كل حديث لدى السعوديين -حفظهم الله- وهي «تخيّل» تخيّل عزيزي القارئ أنه رغم كل دعوات التمكين للمرأة وسن القوانين الصارمة للحفاظ على كيانها وكرامتها وإنسانيتها، وتفعيل العدالة بينها وبين الرجل إلا أنها لا زالت تعاني! ويتضح هنا أن المعاناة ليست كما كان يزعم البعض بسبب القوانين والأنظمة، بل بسبب «بعض» الموروثات الاجتماعية القديمة والعادات التي ربما كانت دخيلة على العرب وطباعهم العزيزة.
- ولعل مقالي اليوم يثير امتعاض «البعض» – مع الأسف – من الذين قد يشعرون أنه يلامس حقيقةً عابرةً أو مستقرةً في اللاوعي لديهم، حتى تشبعوا بها كأفكار ومسلمات.. فالتغيرات الهائلة الحاصلة في بيئات العمل لدينا، قابلها محاولات بعضهم تحجيم المرأة تحت غطاء دعمٍ ظاهره تمكين وباطنه تصغير ومضايقات وعنصرية، وهو ما يُحتم على العاقل نِقاش هذه المعضلة ومحاولة فهم أسبابها لتلافيها أو على الأقل الحد منها.
- لقد قفزت بلادنا قفزات في رحلة تطورها المشهودة، وسعت أثناء ذلك لجعل المرأة في مكانتها التاريخية المعروفة «نصف المجتمع» ومكملاً للرجل، تقاسمه الواجبات والحقوق بلا تمييز عنصري أو تفرقة لا أساس لها، إلا أنه لا زالت معاناة المرأة في هذه البيئات تتفاقم بسبب بعض من لم يستوعبوا هذه القفزات، فتارة نجدهم يحاربونها لأنهم يرون أنها لا تستحق أن تحظى بهذه الوظيفة أو هذا الدخل الذي يعتقدون أن الرجل أولى به، كونه المسؤول الأول عن الأسرة، بينما هي لا هم لديها سوى شراء الماركات والسفر ومظاهر الترف.. وتارة نجدهم يحاربونها لأن فكرتهم النمطية حول المرأة تُقزمها وتمنع الاعتراف بذكائها أو قدرتها على منافسة الرجل، وغيرها من المبررات التي تشكلت في عقولهم لتقلل من أحقية المرأة بالفرص العادلة في العمل.
- وعلى اعتبار أن هذه النظرة موجودة بالفعل في أدمغة بعض الضعفاء من الرجال «كرأي شخصي»، فإن بيئة العمل تحتم وجود «دليل» مختلف للتعامل مع المرأة، بل وإلغاء هذا التمييز كلياً كما جاء به القانون، وإلغاء ما يسمى بالرأي الشخصي، لأن بيئة العمل كيان عام تابع، وليست مجلسك الخاص، ومضبوطة بقوانين واضحة ولا مجال للاجتهادات والآراء الشخصية والمزاجية فيها لتسيير الأعمال، وعليه فإن المرأة ذات الكفاءة والعلم والمهارات تُمكّن كالرجل تماماً، وتحاسب على التقصير مثله أيضاً، وتعالج جميع هذه الاجراءات بشكل موضوعي، وتعامل في العمل كفرد عاقل بالغ مكلّف ومسؤول بعيداً كلياً عن نوع الجنس، والمنكر لهذه المعاناة الحقيقية فليتفضل بالقيام بجولة ميدانية لدى عدد من المؤسسات لقياس نسبة الموظفات السعوديات ذات الكفاءات العالية المهمشات تحت إدارات «ذكورية» أقل منهن كفاءة وخبرة.
- كل هذه الأفكار السلبية تجاه تمكين المرأة، التي يتبناها البعض، قد تعرقل تحقيق المستهدفات على الوجه المرسوم لها.. وأرى أنه يجب الحزم من الجهات الرقابية على كل من يقبل مثل هذا التمييز ضد المرأة في مجال العمل.