سنغافورة دولة آسيوية صاغت قصة من التميز التعليمي وتجويد وتحسين تجربة المتعلم أثناء رحلته التعليمية مما جعلها محط اهتمام الباحثين والمهتمين وصُنّاع القرار التعليمي في عدد من دول العالم المتقدم، ومن خلال دراسة للتجربة السنغافورية تبين قدرتها في الوصول للإنسان واكتشاف مهاراته وقدراته، وتوظيف طاقاته للإسهام في بناء المجتمع ونمائه؛ إيماناً بأهمية بدور الإنسان المحوري في تعزيز حيوية المجتمع وازدهار اقتصاده وتعدد موارده وتجويد منتجاته وخدماته. ومن هذا المنطلق برزت الحاجة للحديث عن ضرورة عناية وزارة التعليم بصياغة رحلة التعلم لجميع مراحل التعليم العام والفني والتقني والعالي وفق مرتكزات رئيسية يُمكن إجمالها فيما يلي: المرتكز الأول: ثقة المتعلم بالمنظومة التعليمية بمختلف مكوناتها التعليمية والإدارية ووضوح الرؤية المستقبلية لديها، وثقته في المفردات التعليمية المضمنة في المقررات الدراسية من خلال تناولها للمعارف المحورية في التخصصات المختلفة وصلتها بواقع الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى حداثتها وعمقها في الوقت ذاته، وتركيزها على تنمية مهارات التفكير العليا وعلى وجه الخصوص مهارات إدراك الإدراك، والعناية بالتطبيق والتجربة والاستفادة من تقنيات الواقع الافتراضي في دمج المتعلم مع نظرائه في دول العالم بما يحقق مستهدفات التبادل المعرفي والتواصل الحضاري بين مختلف الدول والتي يمكن من خلالها إبراز مكامن القوة لدى مجتمعنا من خلال ما يعرف بالقوة الناعمة أثناء الطرح والنقاش والإجابة عن التساؤلات والاستفسارات. ومن أبرز مرتكزات تحسين رحلة التعلم ما يعرف بأنسنة التعليم والتعامل مع المتعلم وفق منظور إنساني يُراعي التطورات والتغيرات الفسيولوجية للمتعلم في تحديد الأولويات التعليمية لتلبية الاحتياجات النفسية والاجتماعية والمهارية من خلال بيئة مهم لتلبية احتياجاته وتوفير بيئة تعليمية آمنة تعمق الصلة بين المتعلم ومكوناتها لوضع اللبنات الأساسية لما يُعرف بالولاء والانتماء للمؤسسة التعليمية المقيدة بها. ولا شك أن هذا الأمر يضع مصممي ومخططي رحلة التعلم أمام تحدي مهم ألا وهو الوصول لإبهار المتعلم وليس إلى إرضائه فقط لكون الإرضاء يقف عند عتبة الوصول لتوقعات المتعلم الأولية لرحلة التعلم المتمثلة في الوصول للثراء المعرفي، أما الإبهار فيتناول قدراً زائداً عن ذلك من خلال التركيز على تحديد نقاط التفاعل في الرحلة واستغلالها للمزج بين التعلم والمتعة ، والتواصل اللفظي وغير اللفظي في آن واحد؛ وبهذا يعظم الأثر وتُنقل التجربة في أوساط المتعلمين بقالب تسويقي جذاب وبلغة ذات دلالات عميقة لدى المتحدث والسامع . ومن المرتكزات المهمة كذلك التحليل الدوري لنواتج الرحلة للتعرف على نقاط القوة والعمل على تعزيزها وتعظيم أثرها بما يعزز استدامة أثر التعلم على المدى القريب والبعيد، وتشكيل الفرق الجاد من خلال فرق العمل المتخصصة لدراسة مناطق الألم والضعف ومسبباتها وسُبُل معالجتها بصورة عاجلة حتى لا تؤثر على جودة الرحلة. ولنعلم أنه كلما اتسمت الرحلة بالسهولة واليسر والمرونة، كلما ساهمت في دعم المتعلم في تسريع تنمية مهاراته والسير وفق الشغف والاهتمام لا وفق منهجية جامدة يغيب بها التمايز ومراعاة الفروق الفردية. وأخيراً متى ما توافرت هذه المرتكزات الرئيسية في الرحلة تمكن المشرفون على الرحلة من صياغتها ومتابعتها والعمل على تحسينها وتطويرها والاستفادة من التجارب المحلية والإقليمية والعالمية المميزة في ذلك وبهذا يحققون المستهدفات الوطنية من بناء وصناعة الإنسان وتحقيق أعلى المعدلات التنافسية المحلية والإقليمية والعالمية.عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد