تمثل الحياة المعاصرة بما فيها من التزامات وارتباطات ومشاغل ومسؤوليات ضغطاً هائلاً على الإنسان، ما تسبب له حالة من الانطواء والانعزال أو النفور أو اليأس أو الشد العصبي وردات الفعل العصبية، وبما أن الإنسان بطبعه خلق ليتحمل ضغوطاً تصل إلى حد معين، فإذا ما تجاوزت هذه الضغوط مرحلة معينة فإنها تمثل استنزافاً لقدراته واستعداداته، كما أنها توصله إلى مرحلة عدم الراحة والاستقرار العاطفي والروحي، وهو ما يعاني منه الكثير في وقتنا الحاضر بسبب نمط الحياة التي تعيشها، فشتان بين حياة الأجداد التي تعتمد بمحملها على تمتع النظر والروح بما خلقه الله سبحانه وتعالى من سماء وبحار وصحراء ونباتات، وبين وقتنا الحاضر الذي يعتمد على ما أخرجه الإنسان من التزامات تجاه نفسه وعدم تمتع النظر والروح بما خلقه الله، حيث إن وقت الإنسان في العصر الحديث كله مصروف في تنفيذ ما أنيط له من مسؤوليات ما يجعله ينسى أن يمتع نفسه ويريحها بين الحين والآخر، ما يسبب انعكاسات خطيرة لروح وجسد وأعصاب الإنسان.
ضمن هذه المعطيات يتحفنا الدكتور توفيق بن أحمد القصير، بكتابه الذي كلفه ثماني سنوات من البحث والتأمل، حتى يخرج لنا برؤية واضحة وبرنامج معد وجاهز، يقف بك عند حدود ذاتك وتطلعاتك ومدى استجاباتك للقيام بأمور معينة وكذا قناعاتك، حيث يجمع لنا كل هذا في برنامج واحد ليعطيك النتائج التي تقوم على إجاباتك الصحيحة بكل حيادية.
قرأت الكتاب صفحة صفحة، وأنا أستمع لموسيقى (لحن الاسترخاء) الذي ضمنه الأسطوانة المرفقة مع الكتاب، كما أجبت على جميع الأسئلة التي وردت في الأسطوانة ضمن البرنامج الذي تم تصميمه بناء على مثلث الاستمتاع الافتراضي الذي تقوم عليه فكرة هذا الكتاب، ولرغبتي في الاستفادة من المادة التي احتوتها هذا الكتاب، قلبت صفحاته، وأنا على يقين أن هذه الصفحات هي باب من أبواب الدخول إلى السعادة التي يرجوها كل إنسان، سعادة تقوم على تهيئة الظروف التي تساعد على الاستقرار العاطفي ضمن معطيات الحياة المعاصرة بما فيها من الالتزامات المفروضة على الإنسان بحكم منصبه وعمله، كتاب يأخذك خطوة خطوة نحو طريق الراحة المنشودة مراعياً في ذلك الإطار الشرعي الإسلامي، كتاب يقوم على أساس علمي بحثي نظري احترافي، يبحث في الهالات التي تحيط بجسد الإنسان.
هو كتاب من القطع المتوسط، بلغت عدد صفحاته مئتي صفحة، يهدي المؤلف الكتاب إلى أعز إنسانين على قلبه والده الشيخ أحمد القصير ــ رحمات الله عليه ــ ووالدته المربية الفاضلة عائشة بنت سعود البسام، مقدماً شكره وعرفانه لزوجته التي وقفت بجانبه بابتسامة دون كلل أو ملل، وإلى كافة أبنائه وبناته، وإلى الشيخ المحامي عبد العزيز بن محمد القاسم والدكتور أحمد بن البراء الأميري، والأستاذ علي بن مسفر الشمراني والمهندس طلال بن سعد الحاج بكري، يقول الدكتور القصير مقدمة الكتاب:»لطالما فكرت في قضية السعادة بوصفها قيمة فردية أو اجتماعية أو حضارية...لقد كثر الحديث عن السعادة المفقودة في حياتنا المعاصرة، فعمدت إلى كتابة هذا الكتاب بلغة بسيطة وبأسلوب عفوي لعلمي أن القراء قد ملوا القراءة من الكتابات المفعمة بالفلسفة والتنظير، ولرغبتي في أن أوصل رسالتي للقارئ وهو مسرور ومسترسل في القراءة وسعيد لأنه يجد ما قد يعينه على الخروج من عالم غير السعداء، إلى عالم جميل ممتع مملوء بالأمل والتجدد والسعادة والعطاء والتسامح والتفاؤل والثقة بالنفس والطمأنينة والتواضع والصفاء والرضا والقناعة الروحانية والنشاط والحب والاعتدال والرغبة في التعلم وتقدير النعم العظيمة التي تكتنفنا وننعم بها دون أن نستشعرها ـ ويضيف الدكتور القصير ـ إن الحياة جميلة وأجمل منها أن نستشعر جمالها، وأن نكون شاكرين لما أنعم الله علينا به من نعم لا تعد ولا تحصى، وأن نعتقد جازمين أن الشكر والامتنان مدعاة لمزيد من النعم، وليس هناك دواء خاص لجلب السعادة، باختصار إن السعادة شعور مصدره أعماق الإنسان، بتناغم جسدي وعقلي وروحي عجيب ورائع، وهي تصدر من داخله وأسلوب تفكيره وطريقة حياته، ولا يمكن تحقيقها بتجميع الثروة أو السلطة أو الشهرة مهما اجتمعت، وأن السعادة عندما يفقدها المرء باختياره أو رغماً عنه فإنه يستطيع استعادتها وبعيشها وينعم بعطائها، وسيجد أن الحياة مختلفة، والكون من حوله جميل، مملوء بالمسرات والأمل، وسيجد أن يومه خير من أمسه، وأنه لا يحتاج إلى الكثير من الماديات ليحقق قدراً كبيراً من السعادة والنجاح والقوة».
قسم المؤلف كتابه إلى ستة عشر قسماً، عنون القسم الأول بعنوان (الإنسان ذلك المخلوق المتطور) وهو عبارة عن مقدمة على قدرات الإنسان الهائلة، فيوضح المؤلف أن الإنسان كيان ذكي ومعقد ومتطور للغاية، وإن ما أودعه الله فيه من قدرات كاف لمجابهة كافة التحديات، والتفاعل مع كافة المتغيرات، وإيجاد الحلول لكافة ما يعترضه من مشكلات مهما كانت معقدة ومهما بدت مستحيلة، مبيناً إننا نحتاج إلى ارتياد وبحث ودراسة وتحليل واكتشاف القدرات الكامنة في البناء الداخلي للإنسان، مبيناً أن السبب في الكثير من التخلف في مجالات التعرف على الطبيعة البشرية وتسخير هذه الطبيعة لتحقيق المزيد من المعرفة في وسائل التأثير في تفاعلات الإنسان ومشاعره وكيفية تفعيل مكوناته الداخلية هو تقصير البشرية في دراسة هذا الجانب، مؤكداً أن هناك دماغاً شديد التعقيد موجودا داخل القلب، حيث إن في القلب ــ والكلام للمؤلف ــ أربعين ألف خلية عصبية تعمل بدقة فائقة على تنظيم معدل ضربات القلب وإفراز الهرمونات وتخزين المعلومات ثم يتم إرسال المعلومات إلى الدماغ، والنتيجة تكون إن المعلومات تتدفق من القلب إلى ساق الدماغ ثم تدخل إلى الدماغ عبر ممرات خاصة، وتقوم بتوجيه خلايا الدماغ لتتمكن من الفهم والاستيعاب، كما أن القلب بإيقاعه المنتظم يتحكم بإيقاع الجسد كاملاً فهو وسيلة الربط بين كل خلية من خلايا الجسم من خلال عمله كمضخة للدم، حيث تعبر كل خلية هذا القلب وتحمل المعلومات منه وتذهب بها إلى بقية خلايا الجسم. وقد أوجد الإسلام وسيلة منظمة لرياضة التأمل التي تساعد على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من التركيز، وذلك من خلال الحث على التأمل في الصلوات الخمس أو في السنن والنوافل، ولكن هذه المنفعة الروحية لن تتحقق دون الوصول إلى خشوع حقيقي جاد مخلص في الصلاة، يفتقر إليه الكثير من المصلين، وبذلك لن يتحقق العائد الروحي المطلوب من الصلاة، وتصبح الصلاة مجرد القيام بحركات لا تؤدي إلى الحصول على الحد المطلوب من تنشيط وتفعيل جوانب الروح في كيان الإنسان.
بينما يتناول المؤلف في القسم الثاني (مثلث الاستمتاع) ويتكون ـ حسب وصف المؤلف ـ من أضلاع ثلاثة يشكل كل ضلع منها قوة دافعة ومحركة لسعادة الإنسان واستمتاعه، هذه القوى الدافعة هي قوة الجسد وقوة العقل وقوة الروح، وهذا التحليل يقود إلى وجود نماذج عديدة لحركة هذه القوى فيمكن أن تتحرك هذه الدوافع أو القوى بحيث تكون متوازية في اتجاه واحد أو متوازية باتجاهات متناقضة أو متوالية في اتجاه واحد ولكنها غير مترابطة أو متوالية في اتجاه واحد ومترابطة جزيئاً أو غير متوازية ولا مترابطة بل متقاطعة أو متوالية وغير مترابطة كلياً أو متوالية ومترابطة كلياً، ويبحث كذلك في توازن قوى الاستمتاع واختلالها.
ويبحث في القسم الثالث في مصادر السعادة مبيناً إن مصدر السعادة الحقيقة هو أعماق الإنسان والشعور المتدفق من الداخل بالرضا والطمأنينة والبهجة والاستمتاع، ولن يكون بأسباب خارجية مهما كانت تلك الأسباب.
أما في القسم الرابع يتحدث القصير عن الدوافع التي تجلب السعادة كالغريزة والتواضع والطمأنينة والإرادة والإقدام والتفاؤل والقناعة والثقة والتقدير والابتكار والتأمل والإيمان والرحمة والحب والرضا.
بينما يتناول السلوكيات التي تجلب السعادة في القسم الخامس، حيث يعدد جملة السلوكيات والأعمال التي حين تكون سجية في الإنسان تقوده إلى السعادة ومن هذه السلوكيات الاعتدال والتواصل والتوازن والقيادة والمخاطرة والانفتاح والعطاء والتعلم والتذوق والتجديد والطاقة والروحانية والعدل والكرم والابتهاج.
وفي القسم السادس يعدد المؤلف طرائق اكتساب وتكريس السعادة، مبيناً أن السعادة هي قدر كل إنسان يولد فالله تعالى يريد للإنسان أن يكون سعيداً، ولكن قد تؤثر عليه عوامل تربوية وبيئية كثيرة تغير في نمط تفكير وعمل الإنسان ليفقد بالتالي هذه السعادة، ثم يتناول شرح مثلث السعادة الدفعي السلوكي وقوى تحريك الدوافع السلوكية وقوى تحريك الدوافع العقلية وقوى تحريك الدوافع الروحية.
أما في القسم السابع فيتناول المؤلف تفاعل مكونات الإنسان، حيث يبين القصير أن الإنسان يتكون في مجمله من الجسم والعقل والروح، مبيناً أن الروحانية والعدل والكرم والابتهاج كسلوك ليس مصدرها الجسم ولا الدماغ بالتأكيد بل هي مظهر من مظاهر الروح، وأن الروح مستقلة ولها كيان مختلف في الكينونة والطبيعة وطريقة التأثير في السلوك الإنساني، وهي تدخل بالكائن البشري ليتكامل ويبدأ مشوار الحياة، كما أن الروح تخرج من جسد الإنسان فيفقد الجسد بعدها القدرة على الحياة والتفاعل ويفقد طاقته ويتوقف القلب عن الحركة.
ويبحث الدكتور القصير في القسم الثامن في الهالات المحيطة بجسم الإنسان، مبيناً أن لجسم الإنسان ثلاث هالات حيث تأتي هالة الجسم (الطيف الداخلي) وهي طبقة شعاعية طوقية نشطة ملامسة للجسم وسمكها بين 5 ـ 10سم وتحيط بكافة أجزاء الجسم إحاطة تامة، أما الهالة الثانية فهي هالة العقل (الطيف الأوسط) وتحيط هذه الهالة بهالة الجسم وجسم الإنسان، ويكون لها لون خفيف متميز وسمكها من 10ـ15سم وهي طيف في غاية الأهمية حيث يحمي الهالة العقلية المحيطة بجسم الإنسان، أما الهالة الثالثة فهي هالة الروح (الطيف الخارجي) وهي أكثر الهالات توهجاً وأكثرها وضوحاً وهي مركز الدفاع الأول الذي زود الله به الإنسان وذلك لحمايته من الشياطين والجن ومؤثرات الطاقة العدائية مهما كان مصدرها.
ويوضح المؤلف في القسم التاسع طريقة قراءة الهالات، مبيناً أن القدرة على قراءة هذه الهالات تحتاج إلى مستويات من الصفاء الروحي وامتلاك الهدوء والسكينة اللازمة للحصول على كامل التركيز والوعي الباطني، والتأمل في أجواء هادئة وبعيدة عن المؤثرات الصوتية والضوضاء بأنواعها، أو عن طريق أجهزة مخصصة لقراءة الهالات، مبيناً أن هناك نوعين للطاقة هما:الطاقة الإيجابية والطاقة السلبية.
ويتساءل الدكتور القصير في القسم العاشر قائلاً:هل الإنسان مخلوق متصل؟ مؤكداً أن الإنسان مخلوق متصل بكل ما حوله في الأرض وحتى خارج الأرض كالكواكب والأجرام السماوية، حيث إنه يتأثر بطاقة الأرض وطاقة الكون.
ومكرراً تساؤله في القسم الحادي عشر قائلاً: ماذا يترتب على غياب السعادة من حياة الإنسان؟ مبيناً أن النقص في السعادة والاستمتاع أو غيابهما من حياة الإنسان يرجع إلى خلل في مثلث الاستمتاع الذي تناوله المؤلف في بداية كتابه، حيث إنه يجب أن يكون المثلث يدور بالسرعة والاتجاه المناوبين ، وفي حال الخلل فإن المثلث ربما يكون غير متساوي الأضلاع، أو لا يدور بالسرعة المناسبة أو بالاتجاه المناسب، أو لم يعد من الأساس مثلثاً لفقدان أحد أضلاعه وهي الحالة الأخطر.
أما في القسم الثاني عشر فيتساءل المؤلف: كيف يفقد الإنسان السعادة وهو يبحث عنها؟ فيشير إلى أن الإنسان في العصر الحالي ابتعد عن البحث عن السعادة في داخله وتوجه ليبحث عن السعادة في خارجه، فهناك من يبحث عن السعادة عن طريق اكتساب المال أو تقلد المناصب أو الترقية الوظيفية أو تقدم وتفوق بلدانهم أو الفهم الخاطئ للدين.
وفي القسم الثالث عشر يتحدث المؤلف عن البديل عن السعادة في حال فقدانها، حيث يؤكد الدكتور القصير ألا بديل عن السعادة إلا اليأس والقنوط والتعاسة.
وفي القسم الرابع عشر يورد لنا المؤلف تمارين تساعد على اكتساب السعادة والحفاظ عليها، مورداً في القسم الخامس عشر نصائح لإدراك طريق السعادة ، ومنهياً الكتاب بالقسم السادس عشر الذي أورد فيه استبيانا عن السعادة.
وفي الختام أود القول إن هذا الكتاب يضعك في الطريق الصحيح نحو فهم ماهية السعادة الحقيقية، وطرائق الشعور والإحساس بها ، واستعادتها في حال فقدانها، بطرائق حديثة علمية غاية في الأهمية للإنسان المعاصر.